الذهبي

767

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

راكب حُجْرة وما يتَفقان ، فقال : انزل أنت واركب خلفي وأركَبُ أَنَا الحُجْرة وهي تقف مع الحصان إذا كنت فوقه ، فنزلت وناولته لجامها وركبت خلفه ، ثُمَّ نزل هُوَ وجلس يُريق الماء وجعل يولع بذكَرَه ويمازحني ، ثُمَّ قام وركب حصانه ومسك لي الحُجْرة حَتَّى ركبت وإذا بغُبارٍ عظيم فقال لي : سُقْ واكشف الخبر ، فسقت فإذا بَيْدَرا والأمراء ، فسألتهم عن سبب مجيئهم ، فلم يردّوا عليّ وساقوا إلى السّلطان ، فبدأه بَيْدَرا بالضربة فقطع يده وتمّمه الباقون ، ثُمَّ بعد يومين طلع والي تَرَّوجة وغسّلوه وكفّنوه ووضعوه فِي تابوت ، ثُمَّ سيّروا من القاهرة الأمير سَعد الدِّين كوجَبَا النّاصريّ فأحضر التابوت ودُفِن فِي تُربة والدته ، وكان من أبناء الثلاثين . 167 - سَنْجَر ، الأمير الكبير ، عَلَمُ الدِّين الشُّجاعيّ ، المَنْصُورِيّ . [ المتوفى : 693 ه - ] كان رجلًا طويلًا ، تامّ الخلْقة ، أَبِيض اللون ، أسود اللّحية ، عليه وقار وهَيبة وسكون وفي أنفه كِبَر وفي أخلاقه شراسة وفي طبيعته جَبَروت وانتقام وظُلْم ، وله خبرة تامّة فِي السّياسة والعمارات والرأي ، وُلّي شدّ الدّيار المصريّة ، ثُمَّ الوزارة ، ثُمَّ وُلّي نيابة دمشق ، فلطف الله بأهلها وقلل من شره بعض الشيء فوليها سنتين ، ثُمَّ صُرف بعزّ الدِّين الحَمَويّ وانتقل إلى مصر عالي الرُتْبة وافر الحُرمة ، ولقد كان يعرض فِي تجمُّل وهيبة لا تنبغي إلا لسلطان ، ولمّا قَدِمَ من قلعة الرّوم كان دخوله عَجَبًا ، طلب جارنا يونس الحريري وأمره أنّ يعمل له سناجق أطلس أبيض وفيه عُقاب أسود ، فعملها على هيئة سناجق السَّلْطَنَة ، قال لي يونس : عملناها عرض أربعة أذرع بالجديد ، في طول نحو تسعة أذرع . قلت : كان منها فوق كوساته خمسة صفّا واحدًا ، وهي فِي غاية الحُسن واللمعان ولها طزر مقصوصة محررة ، أظن فيها : { إنا فتحنا لك فتحًا مبينا } ، وتعجَّبَ النّاس وقالوا : هذه لا تكون إلا لسلطان وكان رنكه قبل ذلك لت أحمر في بياض . . وكان له من الخيل المسوّمة والمماليك التُّرْك والزّينة والذَّهب والرَّخْت